الأمن الغذائي.. أين العرب من إمكاناتهم؟

وكالات – سودان لايت

تُظهر الأرقام حجم الفجوة بين الأراضي الزراعية القابلة للزراعة في العالم العربي، والأراضي المزروعة بالفعل، ذلك أن إجمالي مساحة الدول العربية يصل إلى 14 مليون كيلومتر مربع (10.2 في المئة من إجمالي مساحة العالم). وتشير تقديرات المختصين إلى أن الأراضي الصالحة للزراعة في العالم العربي تصل إلى 200 مليون هكتار (14 في المئة من المساحة الإجمالية للدول العربية). ومن إجمالي الـ200 مليون هكتار، تستغل 5 في المئة، الأمر الذي يُظهر الفجوة الكبيرة بين المتاح والمستغل كما ذكرت البيان.

تثير العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا مخاوف واسعة في العالم في ما يتعلق بالأمن الغذائي، وهو ما نبه إليه برنامج الغذاء العالمي الذي حذر من تداعيات الحرب، ولا سيما في «مناطق الجوع الساخنة» ومنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا باحتساب أنها «قد تكون الأكثر تأثّراً بارتفاع أسعار القمح، مع اعتمادها على الصادرات من روسيا وأوكرانيا».

وإلى جانب أزمة المناخ والنزاعات التي يشهدها عدد من الدول العربية، جاءت جائحة كورونا وتداعياتها ومن بعدها الوضع الملتهب في أوكرانيا، لتعزز المخاوف المتعلقة بمستقبل الأمن الغذائي العربي، الذي يواجه تحديات مختلفة ومتصاعدة، في ظل اعتماد الدول العربية بشكل كبير على واردات الغذاء من الخارج.

أمام هذه التهديدات المتزامنة التي تواجه الأمن الغذائي العربي، ترتفع الأصوات المنادية بضرورة عمل الدول العربية من أجل التكامل في ما بينها لإيجاد حلول توفر من خلالها مستقبل أمنها الغذائي، بما يحقق الاستقلال في الغذاء وعدم التأثّر بالعوامل الخارجية مثل الحرب الراهنة؛ ومن بين تلك الحلول استثمار المساحات غير المستغلة في الزراعة.

فجوة كبيرة

تُظهر الأرقام حجم الفجوة بين الأراضي الزراعية القابلة للزراعة في العالم العربي، والأراضي المزروعة بالفعل، ذلك أن إجمالي مساحة الدول العربية يصل إلى 14 مليون كيلومتر مربع (10.2 في المئة من إجمالي مساحة العالم). وتشير تقديرات المختصين إلى أن الأراضي الصالحة للزراعة في العالم العربي تصل إلى 200 مليون هكتار (14 في المئة من المساحة الإجمالية للدول العربية).

من الـ200 مليون هكتار، ثمة 5 في المئة مستغلة (بحسب إحصاءات أعلن عنها في وقت سابق رئيس الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي محمد المزروعي)، بما يُظهر حجم الفجوة بين المتاح والمستغل.

بينما تلفُ عديداً من الدول العربية تحديات واسعة، تعوّق استثمار تلك المساحات القابلة للزراعة، سواء لما يتعلق بالإمكانات المادية، وحتى المشكلات الداخلية المرتبطة بالري، جنباً إلى جنب وأثر النزاعات التي تعانيها بعض تلك الدول.

وفي ما تختلف قدرات وإمكانات الدول العربية في ما بينها، بين دول تشهد مساحات شاسعة قابلة للزراعة وغير مستغلة، وأخرى لديها الإمكانات المادية، بجانب دول لديها الخبرات والعنصر البشري، فضلاً عن التكنولوجيا الزراعية لزيادة الإنتاج، يعوّل مختصون على تكامل عربي حقيقي يُمكن من خلاله الخروج من أثر التفاعلات الدولية المختلفة على الأمن الغذائي العربي، ولا سيما في ضوء ما نبهت إليه الأوضاع الأوكرانية من أخطار تحيط بالأمن الغذائي العربي.

وبينما يعتقد محللون بأن التكامل العربي في القطاع الزراعي من خلال توظيف القدرات كافة من أجل الاستثمار الزراعي في المساحات غير المستثمرة، من شأنه الإسهام في الوصول لمعدلات مثلى من الاكتفاء الذاتي غذائياً على مستوى الدول العربية، ينبه آخرون إلى وجود تحديات عديدة تعوّق ذلك التكامل عملياً، وبما يجعل عمل كل دولة على حدة أو بشكل ثنائي بين الجيران لتحقيق الأمن الغذائي أمراً أكثر واقعية في ظل هذه التحديات.

حلول عربية

يقول أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية بالقاهرة، الدكتور أشرف كمال، لـ«البيان» إن «الاقتصاد العالمي محاط بعوامل عدم التأكد واللايقين بشكل كبير، إذ لم يكد العالم يتعافى من تبعات أزمة كورونا، حتى واجه أزمة سلاسل الإمداد، ثم الأزمة المترتبة على العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا منذ 24 فبراير الماضي، وهو ما ألقى بظلاله الوخيمة على الاقتصاد العالمي».

ويشير إلى أن لهذه الأزمة آثاراً بعيدة المدى وعميقة في أوضاع الغذاء عالمياً، ذلك أن كلاً من روسيا وأوكرانيا من كبار الدول المنتجة والمصدرة للغذاء، ولا سيما الحبوب والبذور الزيتية، وتستحوذان على نسبة تصل إلى 30 في المئة من صادرات القمح عالمياً.

ويتابع: «الدول العربية في مجموعها تعد مستورداً صافياً للغذاء، ولا سيما الحبوب.. وبعض هذه الدول تستورد أكثر من نصف وارداتها من القمح من أوكرانيا، مثل لبنان المثقل بأزماته الداخلية بالأساس والذي يتعرض لمشكلات شديدة في مخزون الحبوب».

ولمواجهة تلك الأوضاع، يوضح أستاذ الاقتصاد الزراعي بالقاهرة أن «التكامل الزراعي العربي يكتسب أهمية كبيرة في هذا السياق، ذلك أنه توجد في المنطقة العربية بعض الدول التي تتمتع بمساحات شاسعة من الأراضي القابلة للزراعة مع وجود الأنهار والأمطار طوال العام»، مستدلاً بوضع السودان الذي يمكن أن يكون سلة غذاء العالم العربي.

وتُظهر بيانات البنك الدولي أن مساحة 10.7 في المئة من الأراضي في السودان قابلة للزراعة، كما تزخر دول عربية في شمالي إفريقيا بمعدلات مرتفعة من الأراضي القابلة للزراعة أيضاً بشكل خاص، ومن بينها تونس والمغرب بنسبة 16.8 في المئة، والجزائر 3.2 في المئة، بينما في مصر تصل النسبة إلى 2.9 في المئة.

وبالعودة لتصريحات كمال، فإنه إذا حدث تكامل زراعي عربي بمفهومه الحقيقي، فإن ذلك يجعل الدول العربية في غنى عن كثير من الصادرات من الخارج، ذلك أن هناك الكفاءات والعامل البشري المؤهل – مثل الموجودة في مصر والممثلة بمراكز البحوث الزراعية – كما أن هناك الأراضي المناسبة – مثل الموجودة في السودان بشكل خاص – وكذلك الدول العربية الغنية التي يمكنها التمويل والاستثمار الزراعي، وبالتالي يمكن أن يتحقق التكامل بمفهومه الواسع والحقيقي، وصولاً إلى ارتفاع نسب الاكتفاء الذاتي للدول العربية سواء من الحبوب أو الزيوت واللحوم ومنتجات الدجاج والبيض والأسماك والألبان.

تحديات وظروف مختلفة

بينما تعوّق الصراعات والأزمات السياسية والأمنية التي تواجهها دول عربية الوصول لحلم التكامل العربي في القطاع الزراعي، ولا سيما أن بعضاً من تلك الدول تتمتع بمساحات شاسعة قابلة للزراعة تصل إلى نسبة 35.4 في المئة من إجمالي الأراضي السورية، و11.5 في المئة في العراق2.1، و2.1 في المئة في اليمن.

وبالتالي، يعتقد الكاتب الاقتصادي محمد الرمضان، بأن مصطلح الأمن الغذائي العربي عموماً ليس دقيقاً، ذلك بالنظر إلى التفاوت الحادث بين الدول العربية، موضحاً أن لكل دولة إمكاناتها وظروفها المختلفة، وبالتالي يمكن لكل دولة على حدة التفكير في تحقيق أمنها الغذائي من خلال النظر في ما لديها من بدائل وفرص من واقع إمكاناتها.

ويشير في تصريحات للبيان إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي على سبيل المثال لديها إمكاناتها المادية التي يمكنها من خلالها الاستثمار في أراضٍ زراعية بمناطق أخرى لضمان مصادر الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي من خارج الدولة نفسها من خلال الاعتماد على مصادر متعددة، بينما دول أخرى لديها ميزة الأراضي الزراعية، ودول أخرى لديها الميزة التنافسية في إنتاج بعض المحاصيل مثل القطن.

ويستطرد: بالتالي فإن تحقيق الأمن الغذائي يعتمد على كل حالة بشكل منفصل، بالنظر لحجم الإمكانات وتباينها بين الدول المختلفة والمزايا التي تتمتع بها كل دولة، مشيراً إلى أهمية عدم الاعتماد على جهة واحدة في الحصول على مصادر الغذاء، فضلاً عن أهمية الاستثمار في قطاع الزراعة داخلياً وحتى لدى دولة جارة صديقة تتمتع بمساحات زراعية متوافرة، وكذلك مع ضرورة الاعتماد على تكنولوجيا الزراعة كخيار لزيادة الإنتاجية الزراعية.

ويشدد الرمضان أن الأزمة التي تثيرها الأزمة الروسية الأوكرانية مؤقتة، ويمكن تفاديها من خلال الاعتماد على مصادر بديلة، وكذلك الضغط من أجل تسهيل التبادل التجاري بين الدول العربية وروسيا، في ظل اعتماد كثير من الدول على الحبوب من روسيا وأوكرانيا.

إضغط هنا للإنضمام لقروبات الواتسب



Leave A Reply

Your email address will not be published.