الطاهر ساتي يكتب: ( أول كبد )

:: بعد (65 عاماً) من استقلال البلاد وشعبها، فإن البشرى السارة – موعدها مايو المقبل – هي إجراء أول عملية لزراعة الكبد في السودان، أو كما قال المتحدث باسم لجنة الطوارئ االصحية – يوم أمس – نقلاً عن وزير الصحة المكلف هيثم محمد إبراهيم .. و يبدو الخبر مفرحاً، ولكنه يجتر ذكرى وقائع مُخجلة – ذات صلة بالقضية – تكشف أن نهضة الشعوب ليست مستحيلة في حال أن يتولى أمر الشعوب ذوو النفوس (غير المريضة)، وما أكثرهم…!!
:: لعلكم تذكرون، قبل (12 سنة)، كاد السودان يحتفل بإجراء أول عملية لزراعة الكبد.. نعم، في العام 2010، جاء بعض أبناء السودان بالمشروع.. ليس لحاجة مرضانا فقط، بل لحاجة مرضى دول الجوار الأفريقي أيضاً، فالغاية كانت أن يصبح السودان مركزاً إقليمياً لزراعة الأعضاء، بما فيها الكبد.. وتعاقدوا مع وزارة الصحة بعقد تكافلي ينص على علاج (15%) من مرضى مشافي السودان (مجاناً).. ثم تعاقدوا مع مستشفى الخرطوم بعقد تكافلي آخر ينص على علاج (10%) من مرضى الخرطوم (مجاناً).. أي مجاناً للفقراء والمساكين..!!
:: وجهزوا مستشفى ابن سينا بالعدة والعتاد.. واستجلبوا الكفاءة الأجنبية و الوطنية من السعودية وألمانيا و دول أخرى.. وزاروا المشافي التي فيها تتوجع (أكباد الناس)، ومنها مستشفى جعفر بن عوف، الملاذ المؤقت لأطفالنا لحين الموت.. فالشاهد أن معدل وفيات الأطفال بداء الكبد شهرياً ما بين (3/ 4).. وقفوا على الحالات الحرجة، واختاروا (12 مريضاً)، نصفهم أطفال.. تم الفحص والتشخيص بمعامل الرياض و القاهرة وألمانيا بتكلفة تجاوزت (25 مليون جنيه)، وكان سعر الدولار( 2.5 جنيه)..!!
:: لم يدفع ذوو المرضى جنيهاً، فالمشروع (كان تكافلياً)، ومن تم اختيارهم كانوا من المتعففين.. تم تجهيزهم طبياً ونفسياً، ثم تم تجهيز غرف العمليات بمستشفى ابن سينا، وأعلنوا موعد العمليات.. نعم، كما يحدث اليوم أعلنوا موعد أولى عمليات زراعة الكبد في السودان قبل (12 سنة) بالصحف والفضائيات.. ولكن للأسف، لا يكتمل البنيان في بلاد مراكز قواها الفاسدة تغلب الخاص على العام.. قبل موعد العمليات بـ(24 ساعة)، فاجأ وزير الدولة بالصحة – وكان اللواء طبيب حسب الرسول بابكر – الناس والبلد والمرضى وأسرهم بقرارين..!!
:: تجميد المشروع وإيقاف العمليات، قبل 24 ساعة من موعد زراعة أول كبد في السودان.. ومات المشروع قبل أن يُولد، ومات ثلاثة أطفال في ذات شهر التجميد.. وتجمهرت أمهات الأطفال أمام القصر الجمهوري احتجاجاً على إيقاف المشروع وبحثاً عن (أمل الشفاء).. وتم طردهن بواسطة العسس، لا بعلاج أطفالهن.. ويوم مظاهرة الأمهات، قصدت مكتب وزير الدولة سائلاً عن أسباب وأد هذا المشروع الخدمي والإنساني، فقال غاضباً : (إنت مستعجل ليه؟، ح نعملوا بشكل كويس في مدينة البشير الطبية)..و كانت هذه المسماة بالمدينة عامئذ، كما هي الآن، محض أطلال ..!!


Leave A Reply

Your email address will not be published.